لماذا يجب علينا أن ندوّن؟

في مطلع هذه التدوينة الجديدة، أود أن ألقي الضوء على تجربتي المتواضعة في التدوين مرورًا ببدايتها، ودوافعها ثم أثرها على المستوى الشخصي.
وللعودة إلى الحكاية وبدايتها مع التدوين الشخصي كانت تحديدًا يوم السبت 2022/10/15، والغاية آنذاك بسيطة جدًا!
توثيق الأحداث والمواقف فقط، لا فلسفة ولا تحليل ولا هم يحزنون، فإذا أردت تسمية هذه المرحلة سأطلق عليها مرحلة «تدوين الأحداث» لكونها لا تخرج عن تسجيل، وتوثيق، وقد يشوبها تعليق على الهامش دون الغوص والتحليل.
وبنظري هي مرحلة مهمة لا بد منها للحث على عادة التدوين وغرسها لبساطتها وسرعتها إذ عادةً التدوينة الواحدة لا تزيد عن تغريدة أو تزيد قليلاً.

التدوينة الأولى
ثم ما لبث هذا المفهوم يتسع من «تدوين الأحداث» إلى «التدوين التحليلي».
ومما حفزني على الانتقال إلى المرحلة التالية عدةُ مواقف وقراءات مررت بها.
الموقف الأول
حدث بعد قراءتي لعبارة شهيرة وهي:
الكتابة أداة تفكير!
لم أستوعبها من القراءة الأولى، لأنني كنت أظن أن العملية المنطقية هي: أفكر ثم أكتب!
لكن العجيب أن الكتابة أداةٌ للتفكير بذاتها!
بمعنى لو لم يخطر حالياً في بالك شيء ثم بدأت تكتب ستلاحظ أن الأفكار تتدفق بسرعة هائلة في ذهنك، أفكار لم تكن لتخطر لك لولا أنك بدأت الكتابة!
وعلى سبيل المثال لا الحصر؛ تفكر في كتابة عرض تقديمي لكن تعاني أن أفكارك مبعثرة؛ الحل ببساطة اكتب ثم ستندهش من تدفق الأفكار وتسلسلها!
وهذا لا يعني أن الوحي سينزل عليك بمجرد أن تكتب! لكن الكتابة ستدفع الفكرة إلى الأمام؛ فقد تبدأ وما في مخيلتك إلا 20%، ثم تكتشف بعد الكتابة أنك وصلت إلى 60%، والأهم أنك ستدرك ما الذي ينقصك تحديدًا وما يحتاج إلى مزيد من البحث.
بمعنى آخر: اكتب أولًا، وستتضح لك الفكرة، وتظهر لك نقاط التحسين ولا تنتظر اكتمال الفكرة.
أما الموقف الثاني الذي دفعني للكتابة، هو عند النظر للسباق في الحياة المادية المتسارعة والمهام التي لا تنتهي، يجد المرء نفسه لا إراديًا في ذات المضمار وفي سباقٍ مع الزمن بل يجب أن يسبقه؛ هذا النمط المشدود من أسلوب الحياة.
يتطلب حتمًا وقفة...
وقوفًا بطيئًا..
مع نفسك، مع أفكارك، مع تصرفاتك وعاداتك.
للغوص في أعماقها، ومحاسبتها أيضًا.
والتفكير حقًا في دوافع تصرفاتنا الحالية، وما الذي يحركها؛ إذ بطبيعتها مدفوعة بالمقارنة مع الآخرين أو بما يقوله الآخرون عنا؟
لو نظرنا قليلاً لبعض ما نقوم به، سنجد أن كثيرًا من رغباتنا وطموحاتنا تجاه أمر ما، إنما تنبع من مقارنة أنفسنا بالآخرين أو نظرة المقربين إلينا.
وأكاد أجزم أنك لن تصل إلى هذه الاستنتاجات والقناعات ما لم تقف مع نفسك، وبلا شك بأن الكتابة ستسرع هذه العملية التشخيصية مع النفس.
وأخيراً، الدافع الجوهري هو أن لا أحمل شيئًا ثمينًا معي بعد الممات.
كما يعرف:
مُت فارغاً!
فلماذا نبقي تجاربنا ومعارفنا حبيسة لأوهام انتظار الوقت المثالي أو عندما نصل إلى المستوى المعرفي والخبرة الكافية أو العمر الفلاني.
حواجز وضعناها لأنفسنا، وكأننا لسنا من أمة البناء.
وفي الحديث عن النبي ﷺ: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها»
ليكون المسلم إيجابيًا في كل أحواله، نافعًا لنفسه ولغيره، حتى وإن لم يرَ ثمرة ما غرس.
فلكل إنسان فسيلة في هذه الحياة، موهبة أو مهارة أو معرفة بثّها الله فيه، ليغرسها قبل الممات!
والكتابة والتدوين الشخصي إحدى الوسائل التي تعيننا على ذلك؛ فهي أداة فعّالة للتفكير، ومرآة للنفس تعين على الوقوف معها ومراجعتها، ووسيلة لنشر العلم والمعرفة وترك الأثر.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
- الكتابة
- التدوين
- تجارب شخصية